المشكلة ليست في التفكير ، اي ليست في مقارنة معرفتي وتفكيري بمعرفة وتفكير الآخرين وتصنيفهما . بمعنى معرفة أو تفكير إنساني أرضي نسبي ومعرفة وتفكير سماوي إلهي مطلق… معرفة وتفكير علمي تجريبي .. معرفة وتفكير ميتافيزيقي أسطوري..الخ المشكلة ليست هناك. المشكلة هي هل لي الحق في المعرفة والتفكير أولا وفي صناعة المعرفة ثانيا. هل المعرفة والتفكير يساويانني وأساويهما أم هما شيء خارج عني لا يعني شيئا سواء كبر أم صغر. وهل المعرفة هي ذلك المعنى المعلوم الحدود والتعريف أم هي طريق للتعرف مجهول النهاية، بل لا نهاية له أصلا؛ وأن بناء معرفة يتم معه بناء الذات… المعرفة اختصاص إنساني . الإنسان وحده يعرف لأنه يحتاج هذه المعرفة. يحتاجها ليكون. وتنعدم المعرفة وينعدم التفكير بانعدام الإنسان وانعدام الحاجة إليهما. التفكير نشاط عملي إنساني. التفكير باعتباره جهدا نحتاج إلى بذله لنكون. فهو ليست شيئا خارج كينونتنا الإنسانية. كينونة من دون تفكير هي اللاكينونة، أي الوجود خارج الذات، ما قبل الذات في حال سأسميها المياة (الحياة الميتة) أما ما بعد الذات فهي حال الموت. فكلما توسعت المعرفة توسع الكيان وتأصل ونما نحو ذات عليا تسير أمامنا على الدوام ولا تتوقف. يعيش الإنسان ميتا بلا كينونة هو موت كياني لا موت بيولوجي الذي يموت فيه فيكون بلا نفس . تلك هي حالة المياة . يتحرك يتنفس يأكل ولكن كيانه غائب. يعيش ضمن أبعاده البيولوجية والاجتماعية . يتحرك كيانا جسديا وضمن علاقات قائمة قبل وجوده . كينونة الدرجة الصفر أو زمن المياة. تبدأ الكينونة في التشكل حين يقرر الإنسان أن هناك عتبة أخرى تتراءى له عليه أن يعتبها. حينها يكتشف انه يستطيع السير وأن أقدامه ليست ثابتة وأن إقامته السابقة يمكن تغييرها. هي عتبة نحو أفق لا يعرفه ؟ نحو الحياة ، حياة الذات لا حياة الجسد فحسب حياة الكيان لا حياة المياة. حينها تتقاطع الحياة البيولوجية والحياة الاجتماعية بحياة الكينونة الإنسانية. الكينونة الإنسانية أشبه بطيران الطائر . حياته البيولوجية أشبه بمرحلة ما قبل الطيران . أما الموت فهو نهاية التنفس ونهاية الطيران. زمن المياة هو الزمن الذي يصادر منا الحياة. هو الزمن الذي نعيش فيه حالة موت وانعدام. قد يكون الأمر نسبيا لدى بعضنا ولكن نسبية الموت هي موت أيضا. تتميز المياة بالاستغراق في جزء الحياة المادي في قطيعة مع الفكر والشعور، في قطيعة مع أفق يسحبنا نحو عوالم أخرى هي عوالم الخلود والأبدية. عندما نخترق حجب ذوات ما قبل الطيران، ذواتنا المستغرقة والمكتفية بالوجود الجسدي، وهو أشبه بوجود ترابي ما قبل الانتقال إلى الوجود النوراني، وجود كياني مكتمل تتداخل فيه أبعاد الجسد بأبعاد الشعور والفكر. يحدث الفكر ومعه يتعاظم الكيان وتكبر الكينونة. يحدث الفكر حين نقرر أن نكسر حلقة وجودنا الأصلية الأولى وأن نبني وجودا ذاتيا خالصا. نحن نبنيه، أنت تبنيه وأنت تبنينه. وجود لا أحد يعرف كيف سيكون . أنت نفسك لا تعرف، ولا تعرفين، كيف سيكون. في هذه المسافة بين الوجود الأول وبين غاية لا نعرفها ينشأ الكيان ، في خطى السير والانطلاق يحدث الفكر ويتنامى الشعور ونولد من جديد مثل ولادة الطائر حين ينطلق في الأعالي. ثمة دائما قوى خفية تشدنا إلى المياة، هي قوى الموت الخفي أي قوى المياة. هي قوى قديمة فكرا وشعورا وهي قوى اجتماعية أحيانا وربما كانت ذات طبيعة سياسية … يهمها أن نظل بلا كيان يأسرنا ويسرنا وجودنا الأول قبل الطيران ومعانقة الأعالي. هذه القوى هي التي يتوجب كسر حواجزها وموانعها ومحرماتها والتجرؤ عليها حتى نعانق كينوناتنا في الأعالي حتى نحلق مثل طائر ظل لزمن أسير عش لم يختره ولا يرى فيه من العالم سوى قشه ومسافات صغيرة وضوءا قليلا. في هذه الأعالي يمكن أن نتحول إلى كائن فوق جسدي ولكنه سيعي حينها حقيقة وأهمية جسده الذي لم يعرفها سابقا.