حول ضرورة كسر مركزية المركز ( الجزء الأول)

0
Sans titre

المركزة la centralisation تعني خلق، أو تخلق ذاتي، لقوة أشبه بالنواة التي تدور حولها الالكترونات في بنية الذرة، أو هي أشبه بالأب او الأم اللذين تدور حولهما حياة كل أفراد العائلة بما يجعلهما مركزا. والمركزة التي أقصدها هي مركزة الحياة الاجتماعية والسياسية في المجتمع والتي تتخذ أشكالا متنوعة منها الظاهر مثل الرئيس والحكومة والعاصمة والبرلمان … وهي مركزة تستمد وجودها من أسباب تاريخية واقتصادية. فتونس العاصمة مثلا لم تكن عاصمة دائما بل سبقتها مدن أخرى كالقيروان والمهدية في لعب دور المركز.  إذا كانت القيروان مثلا قد لعبت هذا الدور لسبب عسكري أساسا ثم ديني وكذلك الأمر بالنسبة إلى المهدية فإن العاصمة تونس قد اتخذت هذا الدور منذ القرن الثالث عشر مع الحفصيين بعد أن كانت ميناء تجاريا بعد أن شغلت قرطاج هي الأخرى موقعا عسكريا في العهد القرطاجني قبل أن تتحول إلى عاصمة للقرطاجنيين … تونس العاصمة الحالية هي مركز منذ العهد الحفصي ولكن أهميتها تعاظمت بعد الغزو التركي ثم الاستعمار الفرنسي خاصة لأنها أصبحت مقر الباي ثم المقيم العام ، اي مركز السلطة السياسية التي تمارس هيمنة اقتصادية على الفضاء المسمى تونس (المحلة الاقطاعية بالنسبة للبايات ثم النهب الرأسمالي بالنسبة إلى الفرنسيين) بمعنى أن هذا المركز قد لعب دورا في ممارسة الهيمنة العثمانية ثم بعدها الهيمنة الفرنسية. ولم تكن الهيمنة سوى هيمنة على جهد سكان البلاد وانتاجهم وهيمنة على ثرواتهم الطبيعية. وقد كان هذا المركز ضروريا يحتكر ويحتكم على أسباب القوة التي تتيح ممارسة فعل الهيمنة. واحتكار أسباب القوة يستدعي ضرورة إضعاف الفضاء المقابل وإفقاده كل أسباب القوة حتى لا يتمكن من الدفاع عن نفسه. فوجود مركز قوي يقتضي ضرورة وجود هامش ضعيف. لأن الهامش كلما تحوز على أسباب القوة انفصل عن المركز ، بل قد يتسبب في إلغاء وجوده أصلا. فكل مركز لا يتخذ مركزيته إلا لعناصر أضعف منه ترتبط به ويكون منها فضاءه الخاص ولا تكون العناصر أضعف إلا ضمن علاقة يتم فيها تبادل القوة والضعف حيث يسحب المركز لنفسه القوة من عناصر الهامش وتسحب عناصر الهامش لنفسها الضعف. فالأقوياء والأثرياء والمميزون عادة ما يتم سحبهم نحو المراكز فيما يبقى الضعفاء والفقراء أو الأقل ثراء وغير المميزين في الهوامش. وهذه الحركة الاجتماعية هي في الواقع تعبير عن شيء آخر أكثر أهمية من السياسي ومن الاجتماعي. فهذه الحركة “المغناطيسية” التي تنجذب فيها عناصر القوة نحو المركز فيما تنجذب عناصر الضعف نحو الهوامش إنما هي حركة طبقية، إنها حركة صراع طبقي داخل المجتمع. فالتمركز الذي قد يبدو في الظاهر اجتماعيا أو سياسيا أو ثقافيا هو في الأصل تمركز اقتصادي مالي. فرأس المال من سماته التمركز والتركز، فهو يتجه طبيعيا نحو تحقق المعادلة: أثرياء أقل وفقراء أكثر. ولأن هذه الحركة في طبيعتها الخصوصية intrinsèque هي حركة مدمرة تجاه نفسها فإن السياسي يتدخل عادة للحد من أثر حركتها الطبيعية على نفسها. ويتم هذا التدخل سواء من داخل النظام السياسي المرتبط والمدافع على رأس المال عبر سن قوانين توزيع الثروة الاجتماعية أو من الخارج عبر المطلب الاجتماعي النقابي أساسا والشعبي كذلك، وهو ما يطلف من آثار حركة رأس المال الطبيعية. غير أن هذا التلطيف لا يلغي المركزة مثلما لا يلغي الهامش وغاية ما يفعله انه يحفظ البنية الاجتماعية من الانهيار وحركتها من التوقف.

إن ما يمكن استنتاجه اختزالا هو أن المركزة الاجتماعية والسياسية هي وسيلة رأس المال في الحفاظ على تركزه،  وليس الشكل الاجتماعي والسياسي الذي نتحرك ضمنه سوى ذلك الشكل المتناسب مع رأس المال في زمانه وفي مكانه، اي في وجوده التاريخي المتعين ضمن تناقضاته الحية.

لكل ذلك يعمل رأس المال على المحافظة على البنية الاجتماعية والسياسية والثقافية في حال تمركزها ويحتفظ بكل ما يساعد على ترسيخ سلطة المركز وثقافة المركز وشكل المركز في أبسط الأشياء كما في أعقدها. فللاقتصاد مركزه وهو البنك المركزي والسياسة مركزها وهو الرئيس وللثقافة مركزها وهو النص المركزي وللبلاد مركزها وهي العاصمة ولو دققنا فسنجد لكل شيء مركزا صغيرا كان أو كبيرا يعيد إنتاج مركزية المركز.

السياسة المضادة لمركزية المركز

السياسة المعارضة معارضة حقيقية وعميقة هي السياسة التي تقف على النقيض من سياسة الدولة القائمة . ولا يتجسد الوقوف فقط في شتمها وتفكيك بنيتها وبيان كيفية اشتغالها ولصالح من تشتغل فقط رغم أهمية ذلك، بل في ممارسة سياسة مضادة أيضا بالكامل لسياستها.  وأهم ما يتوجب فعله في هذا المجال هو كسر مركزية المركز . فكل سياسة تعيد، بوعي أو من دونه ، إنتاج مركزية المركز سواء في الاقتصاد أو في السياسة أو في المجتمع والثقافة إنما هي سياسة موالية للدولة منخرطة في مشروعها العام وإن ادعت معارضتها. إن الدولة ، ومن ورائها رأس المال، لا يتطلب استمرارها سوى أن تعيد المؤسسات المرتبطة بها شكل الدولة وثقافتها.

إن الأحزاب والمنظمات التي يتم تسييرها وفق منطق مركزي إنما تعيد إنتاج ظل السلطة وروحها . فالهرمية التنظيمية السياسية أو النقابية وإن كانت خارج الدولة والسلطة هي هرمية منتجة لثقافة السلطة ومكرسة للشكل الاجتماعي الذي يعيد إنتاج هذه السلطة. فالأمين العام في النقابة أو في الحزب هو رئيس بمقاييس أصغر من رئيس الدولة. فهو ظل له وصورة عنه تساهم في إعادة إنتاج مركزية المركز.  وهو منخرط في مساعدة السلطة على الاستمرار. إن كل شيء نكرره نحوله إلى الشكل الأوحد الممكن للحياة دون أن نشعر وتصبح المعارضة معارضة لسلوك الأشخاص داخل المنظومة لا للمنظومة نفسها.

من هنا تصبح المعارضة الحقيقية الوحيدة هي السير عكس اتجاه حركة الدولة المركزية. بمعنى أن التعارض لا يمكنه أن يتم بواسطة التماهي والتماثل، بل ، فقط ، بواسطة التعاكس والتضاد والسير عكس اتجاه الدولة التي نعارضها. فالسلطة المتركزة في شخص واحد تعارضها سلطة شعبية واسعة والأموال التي تتجه دوما نحو أثرياء أقل يجب أن تتجه نحو فقراء أكثر والشكل الهرمي للسلطة يجب أن يقابله شكل للهرم مقلوب اي إذا كانت دوائر اتخاذ القرار تضيق شيئا فشيئا في اتجاه أعلى الهرم فإن السياسة المعرضة لها هي تلك التي تقوم على التدرج في اتساعها نحو أسفل الهرم. وإذا كانت سياسة الدولة ورأس المال الارتباط بالعاصمة فإن السياسة المعارضة ترتبط ضرورة بالدواخل وإن في العاصمة نفسها. فللعاصمة دواخلها وهي الأحياء الشعبية ومركزها وهي أحياء الأثرياء. وفي كلمة تختزل ما سبق إن عنوان سياسة المعارضة الفعلية هي كسر مركزية المركز.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *