حول ضرورة كسر مركزية المركز (3)

0
decentra 3

أفقية التنظم : الشكل البديل لمركزية المركز.

يظل السير عكس سير المنظومة العالمية والمحلية القائمة هو الشعار والمنهج. ومقاومة عبثية ولا أخلاقية الشكل الهرمي للحياة السياسية والاجتماعية لا يكون بإعادة بناء الخط الناظم للفعل الإنساني من العمودي إلى الأفقي. فالخروج من منطق المنظومة ومن رؤيتها الفكرية والسياسية والاجتماعية للتحرر منها لا يكون إلا بالسير عكس منطقها.

إن الوعي أولا بكون ذواتنا، بما هي ثقافة وعادات ورؤى جمالية وأخلاقية، هي الأداة الأولى لاستعبادنا، هو الخطوة الأولى نحو تحررنا. فالذات المنخرطة كليا أو جزئيا في ثقافة المنظومة الفكرية والأخلاقية والجمالية هي الذات التي تسحبنا في كل لحظة نحو القيود التي صنعتها المنظومة والتي تصورها لنا على أنها تجسيد لمطلق الإنسانية ومطلق الحرية. ولا يكون التحرر من هذه الذات إلا بتجاوزها نحو بناء ذات جديدة بمحتويات فكرية وسياسية وجمالية وأخلاقية جديدة، إذ لا معنى لنزوع تحرري يتمسك بسبب مهم لاستعباده. فالثقافة السائدة في عمومها هي ثقافة تساعد على إعادة إنتاج العبودية المقنعة لعصرنا ،وهي أداة إنتاج وإعادة إنتاج مركزية المركز ، اي تلك الهرمية الفجة التي يقوم عليها البناء الاجتماعي والبناء السياسي.

فأولى خطوات كسر مركزية المركز ، إذن، هي الاشتغال على الذات لإخراجها من ذاتها وتجاوزها، أي من ثقافتها ورؤاها الجمالية والأخلاقية لكي تولد من جديد بقيم جديدة ضمن معادلة إنسانية واجتماعية جديدة تقطع مع مركزية المركز.

ومن الذات الفردية إلى الذات الجماعية التي تقوم أساسا على محاصرة الذات الفردية. فالذات الجماعية للمجتمع مهمتها الأساسية هي محاصرة الذات الفردية لكي لا تتجاوز ذاتها وتخرج منها. يتم ذلك عبر آليات اجتماعية مختلفة كالوصم (التشويه) أو النبذ لكل ذات تحاول أن تتحرك نحو الخارج ؛ خارج نفسها وخارج الذات الجماعية فتوجه لها معول الهدم الاجتماعية والحصار لتضعف مقاومتها وقدرتها على الكفاح ضد هذه الذات الجماعية نفسها التي تحاصرها. ولا تتم مقاومة حصار الذات الجماعية للذات الفردية إلا بتغيير التفكير وزعزعة الثوابت نحو تغيير الواقع والبنية الهرمية للمجتمع التي تحمل في عمقها مصالح مادية وطبقية بالأساس. وتغيير البنية الهرمية يعني بنية غير هرمية ، أي بنية أفقية لا عمودية . فكل ما لا يقوم على التساوي بما يحقق الانتشار الأفقي مرفوض وتجب مقاومته. إن كل صورة تقوم على فرد في مقابل جماعة أو فوقها بأي شكل من الأشكال هي صورة تبث ثقافة الذات الجماعية ذات المحتوى العبودي. والصور العمودية كثيرة منها الأب الذي يجب أن يتحول إلى صديق ورفيق ومرشد وأن يغادر موقع صاحب المزية المادية وصاحب السلطة بالتالي وصاحب الرأي الذي لا رأي معه. منها أيضا صورة المعلم الذي يجسد المعرفة والنظام والأخلاق ، وهو الذي قد لا يكون كذلك، الذي عليه أن يتحول إلى مساعد على إنتاج المعرفة لا كونه مصدرا للمعرفة. ومن الصور أيضا صورة الإمام التي تختزل في ذاتها على نحو مخادع المعرفة والأخلاق . والخداع هنا لا يتصل بذات الإمام، بل بدوره. فهذا الدور ظل ينجز على مدى قرون دون أن يحقق المجتمع معرفة حقيقية ولا امتلك فعلا أخلاقك عالية.  وكان اللائمة ترمى على الناس دوما ولم يفكر أحد في اتهام الإمام نفسه بأنه هو الذي ينتج الجهل والانحطاط الأخلاقي في المجتمع متعاونا في ذلك مع الأب والمعلم والمالك.  فالمالك هو أحد صور الهرمية الاجتماعية أيضا. والمالك هنا ليس من يملك العقارات والأموال فقط ، بل هو الذي يملك المصائر خفية ويتحكم بها. فالكثيرون يملكون وهم لا يملكون لأن هناك مالك خفي يملك عليهم مصيرهم وجهدهم ومالهم فيكونون هم مجرد متصرفين في ما يظنون انه ملك لهم وهو في الحقيقة ملك له. إن المالك هو الأب وهو المعلم وهو الإمام، كل في سلسلة واحدة متشابكة ومتحدة في الحقيقة تسعى لإعادة إنتاج مركزية المركز. ولتحقيق هذا الهدف التحرري العظيم يجب إعادة النظر في العلاقة مع هذه الاقطاب ومع غيرها مثل صورة الرئيس. فالرئيس هو رئيس لمرؤوسين وبالتالي فهو الشكل الأعلى لفكرة الهرمية الاجتماعية التي تنطوي على العبودية المقنعة. فكل رئيس سواء علا شأنه أو قل إنما هو تجسيد لمركزية المركز، وهو يخفي في داخله صورة الأب والمعلم والإمام والمالك. من توجبت مقاومة فكرة الرئاسة وتحويلها إلى فكرة المستشير. فالرئيس يجب أن يصبح مستشارا بمعنى أن يشار عليه أو مستشيرا بمعنى أن يستشير الناس ، أي أن دوره يقتصر على الدوام على جمع أراء الناس وتطلعاتهم وأن لا يكون صاحب سلطة وقرار. فمثلما يتوجب على الأب أن يصبح صديقا ورفيقا ومرشدا ومثلما يتوجب على المعلم أن يتحول إلى مساعد على إنتاج المعرفة وعلى الإمام أن يتوقف عن تمثيل المعرفة والأخلاق وعلى المالك أن يتوقف عن ملكية جهد الناس ومصائرهم فإن على الرئيس، وليس المقصود هنا رئيس الدولة فقط، بل كل رئيس، أن يتوقف عن رئاسة الناس وسحب قرارهم منهم ولو لزمن محدود. فتتالي الرؤساء يعني سحب القرار والإرادة والحرية من الناس لصالح مؤسسة الرئاسة التي تتحول بسرعة إلى سلطة شخص واحد يجسد المركزية المركز وهرمية المجتمع، وهو يجسد في الحقيقة مصلحة طبقة اجتماعية هي التي تحتل قمة الهرم الاجتماعي وأكثر الطبقات استفادة من الجهد المبذول اجتماعيا في إنتاج الثروة.

إن كل بناء يحتاج إلى دعامات تؤمن استمراره والبناء الاجتماعي الهرمي القائم على حفظ مركزية المركز يحتاج إلى ثقافة تغذي استمراره وتتميز هذه الثقافة بعدم الوضوح والسطحية والميوعة العلمية فكل شيء يجب أن يظل معلقا مفتوحا على الاحتمالات وهو ما يعرقل حركة الإنسان العملية داخل منظومة البناء الاجتماعي إذا كان لا بد من تغييرها. ولكن رغم هذه الميوعة العلمية والضبابية الثقافية فإن المنظومات الاجتماعية الهرمية تحتاج رغم ذلك إلى حقائق لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش خارج الحقائق التي تنمح وجوده التوازن والرضا. وتنتج المنظومة الاجتماعية حقائقها في مستويين:

1 فلسفيا:

_ الحقيقة توجد في الفرد، فالمجتمع هو مجموعة أفراد يدخلون بحرية وإرادة في علاقات اجتماعية يحتاجونها في حياتهم مثل الأبوة والأمومة والزواج والعمل والتعلم وغيرها.

والواقع أن هذه الفكرة صحيحة ظاهريا فقط وهو يمنحها صفة التضليل وظيفيا. فالناس ليسوا فقط افرادا فحتى بيولوجيا هم محطات في سلاسل وراثية بما يشكل السلالات والأعراق فالسود سود لأن سلالاتهم سوداء ولأن محيطهم الطبيعي قد منحهم صفاتهم على مدى ملايين السنين وكذلك الأمر بالنسبة إلى البيض والحمر والصفر …

وإذا كان هذا واقع الطبيعة في الناس فإن واقعهم في المجتمع لا يختلف عن ذلك. فمثلما يوجد الإنسان طبيعيا ضمن تسلسل طبيعي فإنه يوجد أيضا ضمن تسلسل اجتماعي هو ما نسميه الطبقة. فالفرد لا يوجد خارج طبقته الاجتماعية ومنها يستمد كينونته الوجودية وثقافته وخاصة مصلحته المادية. وهو لا يدخل في مجموع العلاقات التي ذكرنا بعضها بحرية وإرادة، بل هو محكوم في الواقع بموقعه الاجتماعي . فموقع الأسرة الاجتماعي يحدد له على نحو معين وبنسبة عالية مجال اختياراته الاجتماعية. ولذلك تسقط مقولة الأفراد الأحرار ذوي الإرادة الحرة لتظهر الحقيقة ويظهر بالتالي زيف ما تروجه المنظومة الاجتماعية الهرمية ذات المركز.

2 دينيا:

في الحقيقة إن أسوأ ما في المنظومات الهرمية ، قديمها وجديدها،  هو استغلالها لله استغلالا بشعا وتشويهه تشويها قذرا.  فهذه المنظومات تضع على الله جهرا وسرا كل شرورها وتنسب إليه كل مآسي الإنسان. وتبني المنظومات الهرمية على الله حقائق مضللة فتجعله مسؤولا عن المرض والفقر والضعف، بل والاستعمار والتخلف وضعف التنمية أيضا. غير أن هذه المنظومات لا تنفك عن تمجيد الله ومدحه والتخويف منه على مدار اليوم. إن إله المنظومة الاجتماعية هو إله شرير سيء لأنه سبب شرور العالم ولكن الإنسان مطالب بتمجيده وحمده وشكره على الدوام . ولعل صورة إله المنظومة الاجتماعية شبيه بالمنظومة نفسها فهي سبب الشرور ولكنها تطلب من الناس احترامها وتقديسها، بل وشكرها على وجودها في حياتهم. إن المنظومة الاجتماعية لا تحتاج إلى الله إلا لتبرير عنفها ووحشيتها ذلك أنها تجد فيه المكان الذي تتخلص فيه من شرورها وتسندها إليه، بل إنها تجد في الله مبررا لارتكاب المزيد من الشرور ضد الإنسان. فالله ليس حقيقة سرمدية ولا هو قيمة دينية وأخلاقية ولا هو خالق الكون، فذلك لا يعني المنظومة في شيء، بل هو حقيقة اجتماعية تؤدي دورها ضمن معادلة حفظ مركزية المركز. إنه المركز الأكبر ذو الوجود الميتافيزيقي الذي يستمد منه المركز الأصغر ذو الوجود الاجتماعي احتكاره القوة والهيمنة. إن حقيقة الله الفلسفية او الدينية لا تعني المنظومة في شيء، ولذلك فإن التصدي للمنظومة ليس تصديا لله ولإرادته في توزيع الثروة والسلطة بين الناس، كما تروج المنظومة لذلك عادة، بقدر ما هو تصد لتوظيف الله من قبل الذي يحتلون أعلى الهرم الاجتماعي للبقاء حيث هم، وإبقاء من هم أسفل الهرم الاجتماعي حيث هم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *