صراع الفرد ضد الجماعة هو صراع التحرر النهائي

0
صراع

إن تناقض الفرد مع المجتمع هو التناقض الذي سيطرح أولا على جدول أعمال التاريخ. فالمهمة الأساسية للفرد هي التحرر من ذاته باعتبارها الأداة الأساسية لعبوديتها. فعبودية الفرد ناتجة بالأساس عن بنائه لمجتمع، والمجتمع بصيغه المتنوعة هو الإطار الذي نشأت  فيه عبودية الإنسان. من هنا فإن العصر القادم هو عصر فك التناقض بين الفرد والمجتمع. بين الواحد والكثرة. لقد بنى الإنسان لنفسه شكل عبوديته من خلال أرساء النظام الاجتماعي. فخارج المجتمع لا توجد عبودية ولا توجد قنانة ولا يوجد سوق. داخل المجتمع يجد الإنسان معاناته، داخل بنية المجتمع يفقد ذاته الحرة. وبذلك فإن فك التناقض مع المجتمع هو الذي سيحمل الإنسان نحو ذاته ونحو وجوده التاريخي كإنسان مكتمل. خروج الفرد من وجوده الجماعي نحو وجوده الفردي هو أفقه التاريخي. وجوده الجماعي هو سبب الشقاء ووجوده الفردي سيكون سبب سعادته. فالناس يعانون بسبب الحضارة هم أشقياء بحضارتهم التي قد تنتهي بهم إلى القضاء المبرم عليهم. الناس يعانون بسبب مدنهم ومصانعهم وحقول إنتاجهم ونقلهم ودولهم التي تحاصرهم وتقمعهم، يعانون بسبب عرقياتهم وقومياتهم مثلما عانوا بسبب قبائلهم وعشائرهم… صحيح أن الحضارة قد قدمت خدمات للإنسان ولكنها أخذت منه سعادته حين أخذت ذاته. فقد جعلت حياته أطول وربما قضت على جوعه وعطشه ووفرت له مسكنه وملبسه ولكنها أفقدته ذاته بأن جعلته عبدا ثم قنا ثم بروليتاريا وجعلت نقيضه عبدا للفلس والدينار. إن الحضارة لم تستعبد المستغلين فحسب، بل إنها تستعبد المستغلين أيضا وتحولها إلى مجرمين وآكلي لحوم اليشر ومص دمائهم. لقد سحقت الحضارة وجود الإنسان الإنساني لصالح وجوده البيولوجي. وها هي أخيرا تدفعه نحو حالة من القلق الدائم والرعب فحياته وراحته رهن بإرادات يجهلها تمام الجهل وها هي تفرض عليه سلعا مادية ومعنوية تعيد صياغته وتجعله مجرد مستهلك، محطة ضرورية نهائية لحركة السلع لا أكثر فيما يمثل النقيض الطبقي محطة ضرورية نهائية لحركة رأس المال. لقد صار واجب الإنسان في الوجود أن يستهلك وإن يكيف حياته من أجل أن يستهلك؛ وصار على النقيض واجب جمع الأموال بأرقام فلكية وبصورة عبثية.

وليس ذلك سوى نتيجة لوجوده الجماعي. ولذلك على الإنسان أن يغادر هذا الوجود الجماعي نحو وجود فردي. وهذا الوجود الفردي سيقتضي إلغاء كل أشكال الإلزام بالوجود الجماعي مثل القوميات والأديان والدول… الإنسان الفرد المتحلل من كل أشكال وجوده الجماعي هو الإنسان السعيد. الإنسان الخارج من قبضة وجوده ضمن جماعة يفقد في إطارها كل خصوصية فردية ويجد نفسه مدعوا للانسجام والتناغم والتنازل لصالح هذا الوجود داخل الجماعة.

غير أن هذا الوجود الفردي لن يكون توحدا مرضيا وانعزالا تاما ولكن وجود الجماعة سيتشكل ضمن أفق هذا الوجود الفردي بمعنى أن الوجود الجمعي سيخضع نفسه تدريجيا للخصوصية الفردية. ستحتاج الجماعة إلى ضرورة الانسجام والتنازل لصالح فردية الفرد حتى لا يختنق داخلها.

إنه عصر جديد عصر نهاية الجماعة بما هي كيان ييلط ضغطه على الفرد. فكلما قل وجود الفرد الجماعي ستنشأ الثقافة والعلاقات والمؤسسات التي تدير مجتمع العصر الجديد. فلن تكون هناك مصلحة للجماعة فوق مصلحة الإنسان الفرد ولذلك لن تكون حاجة لإلزامه بشيء، فقط هو سيلزم نفسه بحاجات سعادته. ولن تكون هناك حاجة لاستغلال الإنسان للإنسان ومن هناك ستنبثق حياة جديدة ينتج فيها الناس حاجاتهم خارج مربع تأمين الحاجة داخل الوجود الجمعي. الوجود في البعد الفردي سيخلص الإنسان من الآخر الذي يمثل سبب شقائه.

فبعد أن يكون الناس قد أنهوا العصر الرأسمالي سيجدون أنفسهم أمام مهمة ملحة وهي إنهاء مجتمعات الضرورة، أي مجتمعات الوجود الجماعي باعتباره الوجود الذي كان ضروريا ولازما للإنسان، وهو لم يكن سوى ضروريا لشقائه. لقد كان المجتمع ضرورة أمام عدم قدرة الإنسان على مواجهة الطبيعة وأسئلة الوجود فكانت الجماعة ملاذ الفرد في مرحلة وعيه الطفولي. غير أن هذه الجماعة لم تكن مجرد اجتماع لأفراد يبحثون لهم عن قوة إضافية لدى غيرهم. لقد استقامت الجماعة البشرية كيانا له خصائصه وقوانينه وله شروط لحياته واستمراره. كانت العبودية وسيلة المجتمع البشري في الحياة والاستمرار. لقد مثلت العبودية الطاقة الداخلية التي بنوا بها حضارتهم. كانوا يغيرون شكل العبودية ويحتفظون بالجوهر على مر العصور. لذلك تحولت الحرية والكرامة الإنسانية إلى مطلب أساسي وخلقت تناقضات داخل المجتمع بين متمسك بضرورة العبودية من أجل المصلحة العامة ومدافع عن الحرية من أجل مصلحة الفرد. لقد صار للجماعة وجود وكينونة متناقضة مع وجود الفرد وكينونته. ذلك هو الصراع الذي ستخوضه البشرية مستقبلا: الفرد ضد الجماعة، الفرد ضد المجتمع، الكينونة الحرة للفرد ضد كينونة الاستعباد الجماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *