كيف نكسر مركزية المركز؟
الحرية فكريا والأفقية تنظيميا.
الحرية فكريا هي مفتاح كسر مركزية المركز. فالمركز قائم على التحكم الخفي في الناس وسلب إرادتهم وتخويفهم وتشريع الاعتداء عليهم بضربهم وسجنهم وهي عبودية مقنعة مازالت تمارس حيث يتقمص الأسياد صورا جديدة منها ما هو معنوي ومنها ما هو مادي. فالدستور هو أول الأسياد المعنويين الذي يتضمن الكثير من الفصول التي تستبطن تجريد المواطن الحر من حريته. بل إن الدستور مسكون بروح عبودية. فأول الفصول يقول : تونس دولة … دينها الإسلام. وهذا الفصل لا يخدم الدين ولا يعمل على نشره أو حمايته بقدر ما يثبت العبودية الفكرية للمواطن تجاه الدولة. فليس الإسلام هو المعني بهذا الفصل، بل المعني هو الدولة. فالإسلام هنا في خدمة الدولة وليس العكس بما هو أداة ضبط اجتماعي ونفسي يتساوى أمامه المؤمن وغير المؤمن. فالمؤمن عليه أن ينضبط للإسلام كما تتمثله الدولة. وهذا الأمر تظهره الوقائع ذلك أن إسلام الدولة التونسية هو إسلام معتدل مالكي. وتنفتح التوصيفات على الكثير من المعاني التي تلحق بالإسلام فديننا منفتح أحيانا وحداثي أحيانا أخرى وهو في خدمة توجهات الدولة. فالإسلام اشتراكي حين كانت الدولة “اشتراكية” وهو ليبرالي حين تحولت الدولة إلى الليبرالية وهو ما يؤكد أن نص الفصل إنما وضع لخدمة الدولة لا لخدمة الإسلام وإلا كيف يمكن لهذا الدين أن يكون اشتراكيا وليبراليا بنفس الدستور.
ومن الأسياد الماديين أجهزة الدولة التي لا تتردد في التعامل مع المواطن بعنف وقوة، بل واضطهاد أحيانا حين يتعلق الأمر بالسجون أو أثناء الايقاف والبحث.
إن التمسك بالدفاع عن فكرة الحرية هي بوابة الدخول في منطقة المعارضة الحقيقية لتوجهات الدولة. والحرية عموما تعني قيام الذات المفردة في خصوصيتها وفرادتها وتميزها بعيدا عن معنى الذات الجماعية التي تخفي تعسفا واضطهادا مسبقين تفترضهما الذات الجماعية إزاء ذات الفرد. وتتلبس الذات الجماعية الوهمية بمصطلحات كثيرة هي الأمة والهوية والشعب والمصلحة العامة ، وهي مصطلحات تعمل بسهولة على انتزاع كم كبير من حرية الأفراد. وكلما انتزع من الفرد جانبا من حريته فإن ذلك يعني استعباده بالقدر نفسه. فبقدر ما تنتزع من الفرد حريته فإنها تعوض بذات القدر من العبودية. لذلك تمثل الحرية ويمثل الدفاع عنها باعتبارها جوهر كينونة الإنسان الأساس والقاعدة في معارضة مركزية المركز. إن سر المركز الخفي هو العبودية وسر معارضة مركزية المركز هو الدفاع عن الحرية والتمسك بها باعتبارها جوهر الإنسان المعاصر.
يتمثل الدفاع عن الحرية في ضرورة تجاوز كل الأشكال الهرمية في التنظيم الاجتماعي والسياسي والثقافي بما في ذلك الدولة. إن الدولة هي الشكل الهرمي الأهم في المجتمع والذي منه تتوالد جميع الأشكال الهرمية الأخرى. وتقدم الدولة والتنظيم الاجتماعي المرتبط بها على أنه الشكل الاجتماعي الأرقى للوعي الجمعي وللتنظم الاجتماعي ولذلك يصاب الناس بالخوف عند الحديث عن ضرورة إزالة الدولة لأن إزالة الدولة تعني انتشار الفوضى وحكم الغاب. غير أن هذا التصور هو في الحقيقة تصور دفاعي عن الدولة وليس صورة لما بعد الدولة. فالمجتمع الإنساني لم يتوقف منذ نشأته عن إيجاد أشكال انتظام اجتماعي لأنه لا يستطيع أن يعيش خارج شكل من هذه الأشكال، وهي أشكال ظلت تتطور إلى حين بلوغها الشكل الخالي وهو شكل الدولة الذي اتخذ اليوم بعدا كونيا. فالدولة المحلية ذات السيادة على حدود جغرافية معلومة قد أصبحت من الماضي ذلك أن الحدود قد ألغيت فعليا وانتقلنا إلى ما يشبه الدولة العالمية. ولذلك أصبحت الدولة المحلية أكثر عنفا وفاشية بسبب ارتباطها بالدولة العالمية (الأمم المتحدة ، صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، منظمة التجارة العالمية، الشبكة العالمية للتبادل المالي بين البنوك SWIFT، الشرطة الدولية المعروفة باسم الانتربول وغيرها كثير …). فللدولة العالمية مرجعيات مؤسساتية وقانونية أيضا ذلك أن الاتفاقيات الدولية مثلا أعلى من الدستور ومن القوانين الداخلية للدولة، وهو ما يؤكد أن الدولة المحلية تتدرج نحو الانصهار بنسب عالية في ما أسميناه الدولة العالمية.
إن الدولة الحالية ، سواء في تونس أو في غيرها، قد فقدت صفات الدولة التي تجسد حركة تاريخ الوعي البشري ، بل إنها لم تعد حتى دولة تسيير الصراع الطبقي بما يحفظ النظام الاجتماعي لصالح البورجوازية. لقد انتقلت الدولة إلى لعب دور الجاذب إلى الخلف نحو مراحل تاريخية قديمة بما يجعلها مجسدة لحركة نكوص تاريخي للوعي البشري. فبعد أن كانت تعبر عن لحظات تقدم الوعي البشري أصبحت تجره إلى الخلف وتعمد في أفضل الحالات لمنعه من التقدم. ولذلك صارت مقاومتها ضرورة تاريخية وأخلاقية ملحة.
والمهم أنه لا يجب الخوف من تحطيم هذه الآلة العابثة التي تسمى الدولة بسبب الخوف من الفوضى. إن حياة البشرية في كنف الدولة في صيغتها ما بعد الحرب العالمية الثانية مساوية واقعيا لحياة الفوضى. ولا يمكن للذكاء وللحاجة البشرية للسلم والتعاون والحبة والإخاء أن يعجزا عن إيجاد بديل لدولة الفوضى والعبث الأخلاقي.
إن مقاومة دولة الفوضى والعبث الأخلاقي هو إطار تحقق حرية الإنسان.
يتبع