كيف نسير تنظيميا عكس مركزية المركز؟
المقاومة والنضال طبيعيا ورياضيا تعني المواجهة، اي الوقوف وجها لوجه مع العدو. وهذا يعني الوقوف في اتجاهين متقابلين حتى يحدث الصراع وتتم المقاومة. أما الوقوف في اتجاه واحد فإن ذلك يمنع الصراع. وإذا كانت المنظومة الاقتصادية والاجتماعية تمركز فإن الموقف المضاد والمقاوم لها لا يمكنه أن يوجد إلا ضمن متصور معاكس للمركزة هو التشتيت، هو اللامركزية، هو الانتظام الأفقي … ليس مهما التسمية فللناس الذين سيمارسونها أن يسموها وأن يحددوا شكلها وكيفية اشتغالها وكيفية تحصيل قدرتها على الفعل محليا وجهويا ووطنيا. فمن عدم الانسجام المنهجي مصادرة حق الناس لأن المهم هو فقط السير عكس مسار السلطة، وعكس مسار أي مركزة. فكل مركزة هي سلطة وإن بدت خارج السلطة أو حتى مختلفة عنها. فالمركزة هي جوهر وجود القمع والاستغلال وإن وجدت في أحزاب عمالية. ولكن لنساهم برأي داخل هذا الانتظام الحر الأفقي اللامركزي فنحن لا نطرح أنفسنا مركزا داخل الانتظام الحر اللامركزي وإلا سقطنا في التناقض.
إن رأينا هو ينظر كل فرد إلى نفسه على أساس أنه هو التنظيم وأن يتصرف وفق المصلحة التي يراها. فإذا كان قادرا على فعل شيء بنفسه ضمن فعل المقاومة العام فليفعل ذلك دون أن ينتظر رأي من هو فوقه في التنظيم. فليس في التنظيم الأفقي فوق ولا تحت. وإذا وجد أن فعل المقاومة يحتاج إلى آخرين سواء مؤقتا أو بشكل دائم فليلتفت يمينا ويسارا للبحث عمن يشبهه. ففي التنظيم الأفقي يوجد اليمين والشمال بدل الفوق والتحت. ولا يوجد في التنظيم الأفقي صلة دائمة إلا بمقدار دوام المهمة، عدا الصلة الإنسانية طبعا. فالرابط التنظيمي هو رابط مؤقت ولكنه قد يطول إذا كانت المهمة النضالية تقتضي ذلك. يمكن الشروع في الانتظام الأفقي اللامركزي الحر ببناء تنسيقيات بسيطة لمواجهة مطالب اجتماعية محلية، بعيدا عن كل أيديولوجبا وعن كل نزعات فردية أو جهوية، يقوم فيها الأفراد بمهام محددة تتصل بتحقيق هدف نضالي محدد. وتضبط المهام بحسب حاجات الفعل النضالي. لنفترض مثلا أننا نريد تغيير موعد السوق الأسبوعية من يوم الخميس إلى يوم الأحد، أو أننا نريد فتح طريق جديدة نحو منطقة معينة أو نريد تحصيل مقاسم فلاحية من أرض تملكها الدولة ولا تستغلها…الخ فالمفروض أن نشرع أولا ببناء تنسيقية محلية للغرض وتمنح هي لأحد أعضائها مهمة تنسيق أعمالها وتوزع بينهم المهام الأولية التي يقتضيها الفعل النضالي البسيط. وتكون هذه المهام فضلا عن مهمة التنسيق:
مهمة التكوين: أن يتعرف أعضاء التنسيقية على مهمتهم إعدادا وتنفيذ وأن يعمقوا النظر في أهميتها وفي ضرورتها بالنسبة إلى حياتهم وأن تتم إعادة التعريف والتعرف كلما اتسعت التنسيقية وضمت أفرادا جددا بما يسمح ببناء خطاب خصوصي حول القضية.
مهمة التعريف: حشد الأنصار إلى المهمة والتوجه إلى الناس المعنيين لنشر الفكرة بينهم وبيان المهمة والأهمية التي يمكن أن يلعبها أي فرد مهما رأي البساطة في نفسه حتى وإن رأى نفسه بعيدا عن القضية. فأثر دعم تحرك المزارعين مثلا ضد البنوك هو تخفيض أسعار المنتوجات والاستفادة منها.
مهمة تخطيطالتنفيذ: كيف سينفذ العمل النضالي بشكل تقريبي وتحديد الحاجات الضرورية للفعل وزمانه ومكانه وتحديد هدفه الأولي. فالتحرك النضالي لا يجب أن يضع في أول مراحله تحقيق أقصى أهدافه. إن تجميع مائة شخص مثلا حول القضية هو الهدف الأول وذلك من أجل تحفيزهم على التفكير والفعل ودعوتهم إلى المشاركة بفعالية في الفعل النضالي وهناك ستتفتق القرائح النضالية وسيبدع الناس في النضال من أجل مصالحهم.
مهمة التنفيذ: بعد التخطيط على الورق وفي الأذهان فإن للميدان حقيقته. فهناك سنجد الخوف والتردد والتأخر، بل قد نجد ممن يفترض فيهم الدعم ، النقد والانتقاد والسخرية. لذلك يجب التسلح ضد هذه النزعات بالصبر والإصرار والعناد لأن كل حركة تبدأ متعثرة ضعيفة بلا شك. يجب تقوية اللحمة بخلق حالة إنسانية وتواصلية راقية تعطي النضال عمقه الإنساني والجمالي وتجعله قبلة المناضلين. فلا بد من اقتراب الناس من بعضها أولا لتوحي بالقوة والوحدة. كما أنه يتوجب نشر الفرح والبهجة دون ميوعة زائدة بين الناس لكي يتغلبوا على نوازع الخوف والتردد متى كان ذلك ممكنا.
إن هذه المهام على بساطتها تساعد على تكوين النفس النضالي لدى الأفراد بما يساهم لاحقا في تأسيس مجالس لا تتوقف عند المطالبة بل تمر إلى الفعل والتنفيذ الشعبيين الحرين لما يراه الناس مصلحة سواء محليا أو جهويا أو وطنيا بما يهدم ويكسر مركزية المركز . فكل فعل نضالي مطلبي أولي هو مرحلة أولى لإرساء بديل شعبي مغاير. فحين نطلب فإننا نعبر عن رغبة لا تهتم السلطة بها وهي تتجاهلها ما لم توجد الجهة الشعبية التي تفرضها. فيجب عدم احتقار المطلب الاجتماعي الذي يبدو بسيطا لأنه بذرة البديل الشعبي.
كيف نرتبط بغيرنا؟
يعتبر التفكير في هذه المسألة تفكيرا مغالطيا، أي أنه يحمل مغالطة، واعية أم غير واعية فتلك قضية ثانية، ولكنها مغالطة تقوم على إثبات المثبت واتباع رؤية ثقافية ذات محتوى بورجوازي تهدف إلى تفكيك الناس وإبعادهم عن بعضهم خشية قوتهم الجماعية.
الناس مرتبطون اجتماعيا إلى حد كبير كما انهم مرتبطون مهنيا ولا يحتاج المناضل العاقل إلى التفكير كثيرا في الارتباط التنظيمي بالآخرين. هو فقط يحتاج إلى ثلاثة أشياء أساسية:
الوضوح الفكري.
برنامج عملي .
عدم إشعار الناس بإعادة إنتاج سلطة أخرى عليهم.
إن عدم القدرة على التواصل مع الناس سياسيا يعني وجود نقص في ناحية ما، هي إما فكرية أو سياسية أو تواصلية. ولذلك يتوجب مراجعة مثل هذه المستويات بعمق حتى يتحقق الارتباط آليا، وفي حدوده الدنيا على الأقل، وهي كافية اجتماعيا لتحقيق تحريك الفاعلية الاجتماعية العامة نحو آفاق التغيير.
إن الحديث بفكر واضح وبسيط لا يمزج بين الفلسفي والاجتماعي من جهة وبين السياسي من جهة أخرى إلا بالقدر الذي يخدم المصلحة السياسية. فالناس ليسوا تلاميذ وليسوا مجالا لاستعراض المعارف أماهم وهم غير معنيين بها أصلا. ومن كان معنيا سيبحث عنها معك أو مع غيرك. كما يقتضي الوضوح استعمال لغة الناس العادية وعدم الذهاب في اللغة إلى الإغراب الفصيح أو الإغراب عبر الاستنجاد باللغات الأجنبية إلا بالقدر الذي تقتضيه سياقات الكلام فعلا.
الفكر الواضح يعني تناول مشاكل الناس المباشرة التي يعانونها وسخبها يمينا نحو أسبابها وأصولها في بنية المجتمع والدولة وفي توزيع الثروة وفي احتكار العمل وفي الصراع الطبقي عبر تدرج سهل وسلس ثم سحبها شمالا نحو آفاق حلها دون السقوط في القراءات الأيديولوجية وتجنب الاستفزاز الذي قد ينشأ أثناء الحديث بغاية إثارة القضايا الأيديولوجية.
إن التضليل الذي تنشره المنظومة الممركزة بغاية خلق ضبابية فكرية عبر التعقيد الفلسفي بالبحث عن أبعاد الإنسان المختلفة والمساواة بينها وعبر النسبوية الفجة لا تقاوم إلا بالوضوح الفكري والتركيز على العوامل المحددة في حياة المجتمع مثل تحرير العمل في المرحلة الراهنة أو مثل تركيز القوة الكبير في يد الدولة (أمن جيش مخابرات …) بما يوحي بأنها في حرب. ولكن حرب ضد من ؟ من هنا يلعب الوضوح دورا مهما لا في إعطاء الارتباط بالناس بعدا سياسيا ، بل أيضا وفي كسر مركزية المركز .
كما يلعب البرنامج الواضح غير الهلامي والقريب من مصالح الناس المباشرة وذي الطبيعة الدقيقة دوره في تحقيق الارتباط السياسي بالناس. فالإغراق في التفاصيل والانزياح نحو الرؤئ الفلسفية والأيديولوجية والمقارنات التاريخية والاجتماعية بما يحول البرنامج السياسي إلى برنامج ثقافي وأيديولوجي هو ما يعطل الارتباط السياسي بالناس. وكلما تحقق برنامج في أذهان الناس وتمثلوه تمثلا واضحا كلما كان ذلك سببا في تشكل محور مضاد للمركز القائم الذي يرى غير نفسه كمشروع ممكن وواقعي بل ويحاول على الدوام اقناع الناس بذلك.
إن حاجات الناس المباشرة ومطالبهم المادية الفردية والجماعية المتصلة بحياتهم الاجتماعية هي البرنامج غير الهلامي الذي يفهمه الناس ويتفاعلون معه. وأهم المطالب العمل. فعدد الذين لا يعملون يفوق عدد الذين يعملون وإذا من المهم الاهتمام بمطالب الذين يعملون فإنه من الضروري والحيوي الاهتمام بمطالب الذين لا يعملون. ويمكن اختزال هذا المطلب في شعار عام هو تحرير العمل . ذلك أن العمل غير متوفر في هذه المنظومة الاقتصادية والاجتماعية لعدة أسباب ولكن أهمها أن هناك من يحتكره لنفسه لأنه المصدر الأساسي للثروة. كما أن للتونسيبن الكثير من المطالب المشتركة والشائعة بينهم مثل مطلب الأرض، أي مطلب امتلاك أرض واستغلالها في الإنتاج. ومنها أيضا مطلب السكن اللائق بما يمنحهم حياة كريمة ويعفيهم من الاستغلال المجحف للملاكين العقاريين والمضاربين والسماسرة. ومن هذه المطالب تقريب خدمات التعليم والصحة العموميين والانترنات وتحسين النقل العمومي . غير أن لكل جهة، ولكل حي أحيانا، مطالب خصوصية كالحماية من الفيضانات أو الحشرات أو عدم توفر فضاءات الترفيه والتسوق … وهي مطالب لا تنتهي وعلى المهتمين تبينها ثم تبنيها وتحويلها إلى برامج سياسية والعمل في تناولها على ربطها باختيارات الدولة العامة بما يرفع وعي المواطن بواقعه ويساعده على التفكير فيهوإيجاد الحلول له.
ويحتاج الارتباط بالناس إلى عدم إشعارهم بإعادة إنتاج الهيمنة عليهم ولو كان ذلك ضمن برنامج يدعي الشعبية والانحياز. فالمعنيون بالتغيير معنيون أساسا ، وإن حسيا، برفع الظلم والتسلط عن أنفسهم. والدفاع عن الحرية أمامهم تعني أولا ممارستها معهم فكريا وسياسيا وإلا تحولت كذبة جميلة ليس من الصعب اكتشافها.
إن ممارسة الحرية فكريا وسياسيا مع الناس ليست لعبة سياسية ولا تكتيكا، بل هي قناعة وحقيقة لا يجب التلاعب بها والقفز فوقها. والحقيقة أن بين التلاعب بالدفاع عن الحرية وبين اعتبارها قاعدة للفعل النضالي خيط واهن يصعب أحيانا تبينه. إذ بين الدفاع عن الحرية واستغلالها كشعار جذاب تداخل وتشابه قد لا يتبينه المناضل الصادق نفسه. إن أولى علامات احترام حرية الآخرين هي ألا نحمل إلى الناس أفكارا وبرامج مكتملة وأن نحترم درجة تطور عقولهم. إن الأفكار التي ينتجها الناس هي التي يجب تداولها وتحليلها وتفسيرها ولا يكون ذلك إلا عبر المعايشة والمشاركة. إن حمل أفكار مسبقة لواقع غير معروف هو إسقاط للفكر على الواقع وسقوط في الأيديولوجية. إن ما يجب فعله هو توليد الأفكار وبناء البرامج مع الناس دون تقدم عليهم ولا تأخر عنهم بما يقطع مع التسلط عليهم من جهة والتذيل لهم من جهة أخرى. إنها مهمة هي من العسر بمكان ومن الدقة بحيث يتوجب الاستعداد لها ذهنيا ونفسيا وفكريا.
إن القيام بهذه الخطوة ذهنيا ونفسيا وفكريا ثم ممارستها سياسيا هو ما يخرج المثقف البورجوازي الصغير من تصوراته وأوهامه عن لا عن الواقع فقط، بل وعن نفسه وعن غيره وهو ما يمنحه فعلا قدرة على الفعل في واقعه بعيدا عن التأستذ عديم الجدوى على الناس. وهي الخطوة نفسها التي ستحول العامل والفلاح والمهمش ذكرا كان أم أنثى إلى فاعل اجتماعي ومفكر ثوري حقيقي وإن ضمن أبعاد محلية.
كيف نساهم في تنظيم الناس؟
تنظيم الناس فكرة خاطئة تماما. فالناس منظمون في إطار البنية الاجتماعية التي انتجها نمط الإنتاج الاقتصادي على مدى عقود وقرون. إن الناس التي ارتحلت مثلا من الريف إلى المدينة وسكنت أحياء معينة في مقابل أحياء أخرى تختلف عنها نوعيا هو شكل من تنظيم الناس، أو لنقل انتظامهم الاجتماعي “التلقائي”، وهو الدرجة الأولى لهذا الانتظام. أما الدرجة الثانية فهو التنظيم المهني. فهؤلاء السكان يقومون بأعمال محددة سواء في المعامل والحقول أو خارجها مثل ورشات البناء والأسواق والموانئ وأهم طبقة فيهم هي طبقة البريكاريا اي طبقة العاطلين والمهمشين الذين لا يملكون شيئا ولا يعملون وهم في الغالب أبناء هذه الطبقات لأن أبناء الطبقات الثرية لا يحتاجون إلى العمل أصلا. أما الدرجة الثالثة لانتظام الناس فهي ردود فعلهم فهم يردون الفعل جماعيا. ورد الفعل هذا يحدث في المنازل في ما بينهم وهي عادة ردود فعل صريحة عادة ودقيقة وغير مترددة لأنها ردود فعل سياسية تتكئ على الثقة بين المتحاورين. ولردود فعل هؤلاء درجة ثانية هي ردود فعل الأماكن العامة مثل المقاهي والملاعب والمسارح والمعاهد والكليات وعادة ما تحدث فيها ردود فعل أقل صراحة وأكثر عمومية ورمزية. ثم تأتي الدرجة الثالثة من ردود الفعل وهي ردود الفعل في الشوارع عبر الانتفاضات وهي ردود فعل تدل على وجود شخصية جماعية مخفية تحت تلال من الخدع الأيديولوجية والأمنية التي تستهدف هذه الشخصية الخفية من أجل قتلها وإنهاء وجودها ولكنها تعجز على الدوام . واعتبر أنها الشكل السري التلقائي لانتظام الناس. ولا شك في أن المنظومة الاقتصادية والاجتماعية القائمة واعية على نحو أو آخر بهذه الانتظامات ولذلك هي تستهدفها وتحاول أن تعرقل تطور وعيها وشكلها. تسعى المنظومة عادة إلى نشر وعي يناسب مصلحتها في الاستمرار عبر وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية والمؤسسات ذات الصبغة الدينية لتزييف وعي الناس وكسر إمكانية تطور وعيهم ليبلغ الدرجة الثورية فتجعلهم أمام إمكانية العقاب الإلهي أولا بجنهم الإلهية أو أمام عقاب الدولة بجهنم الدولانية وهو السجن أو أمام عقاب المجتمع بالسجن خارج السجن وهو عدم الاندماج الاجتماعي الذي يتم عبر النبذ والتشويه وأخيرا أمام سجن الذات وهو عدم الرضا عن النفس وتحميلها مسؤولية فشلها وفقرها.
كما تعمد المنظومة إلى خلق بدائل لهذه الانتظامات الاجتماعية أو محاصرتها وتكميمها. فتفكيك الأسر وخلق العداوات الوهمية بين الناس على أسس جهوية ورياضية وأيديولوجية وتنمية الأحقاد والشكوك واستغلال الجريمة لتحقيق انغلاق الأسر وقطع أواصر الارتباطات الاجتماعية يساعد على قطع التواصل بين الناس.
وتلعب النقابات المهنية والطلابية دورا كبيرا في منع إمكانية تطور الانتظامات المهنية والشبابية المستقلة بكبح تطورها والحلول محلها.
أما المقاهي مثلا فهي مراقبة وكل حضور فيها خارج ألعابها واستهلاك موادها التي يتم الرفع في دورية استهلاكها. فأغلب أصحاب المقاهي يعملون في تعاون مع أجهزة المراقبة والمتابعة البوليسية. ولذلك ينخرط الناس في صمت اصطناعي في الألعاب أو في كلام مكرر مفرغ من اي معنى يتداوله رواد المقاهي أو في الجلوس الفردي إلا ما قل منهم، ليعود الجميع إلى منازلهم من دون فكرة جديدة او صداقة جديدة …الخ .
وتلعب تشكيلات الأمن والجيش دورها المهم في مواجهة انتفاضات الشارع سواء قبل وقوعها أو أثناء وقوعها.
وتقوم المساجد بدور أيديولوجي رهيب من خلال تركيزها الدائم على نزع الإنسان من سياق وعيه الاجتماعي وترسيخ وعيه باعتباره كائنا خارج التاريخ الاجتماعي فتوهمه بمساواة وهمية بينه وبين غيره من المميزين اجتماعيا وتحول طموحه إلى خارج المجتمع والواقع فيقد صلته بواقعه ووجوده وذاته الحقيقيين ليعيش في سياق وهمي يشل حركته الفكرية وبالتالي حركته الاجتماعية. ثم يتم تحويل قدراته الذهنية والعملية لصالح المنظومة تدريجيا لمن يمتلكون القدرة على أداء وظائف تتناسب مع قدراتهم ومواقعهم.
لذلك فإن العمل يجب أن يتجه لا نحو تنظيم الناس في الأشكال الحزبية التقليدية ، بل نحو تفعيل أشكال انتظامهم الاجتماعي الحر والمستقل. ولا يتم ذلك إلا باقتراح البدائل الفكرية
والسياسية والاجتماعية التي تتصل بحياة الناس لكي يتداولوا فيها بما يسهم في رفع وعيهم بقضاياهم. إن استغلال الأسرة الصغيرة والكبيرة والعمل داخلها هو أفضل ما يمكن القيام به بعيدا عن ردود فعل البوليس ورقابته. وأهم ما يمكن القيام به هو تحرير أفراد الأسرة من هيمنة أجهزة الدولة الدعائية وخاصة التلفزيون المحلي والخارجي ومن الهواتف الذكية والتنبيه لخطورتها على وعي الناس وسلوكهم تجاه قضاياهم الاجتماعية خاصة. فكل ما يقوله التلفزيون والراديو وكل ما تكتبه جراند المنظومة هو سم قاتل للوعي الاجتماعي لذلك يجب رفضه على الدوام.
إن عمل المنظومة على دفع الناس نحو أفكار معينة ونحو سلوك اجتماعي محدد سواء داخل الأسرة والحي أو في المواقع المهنية ليس عملا اعتباطيا بل هو عمل مخطط وموجه ويتم تعهده باستمرار وتطويره وتحسين أثره على الناس باستغلال الدراسات العلمية. ولذلك يجب ضرب هذه الأفكار التي تمثل أيديولوجية السلطة القائمة وتنبيه الناس إلى خطورتها دون الوقوع تحت المساءلة القانونية. ومنها خاصة الصمت الصاخب في المقاهي وهو صمت اصطناعي أو هو كلام بلامعنى. مثلما يتوجب العمل على تنبيه الأسر إلى معضلة الانغلاق على الذات ورفع منسوب الشك في الآخرين اتقاء مخاطر الجريمة. كما يتوجب التنبيه إلى مخاطر استغلال الأيديولوجية الدينية في تفكيك الوحدة الشعبية في المجتمع.
إن محاولة تحويل الانتظام الاجتماعي العفوي الذي خلقته المنظومة إلى انتظام سياسي حر ومستقل مهما صغر عبر بناء خلايا حرة ومستقلة تتحرك سياسيا ضمن حدود ضيقة سيسهل البناء التنظيمي الشعبي لاحقا الحر والمستقل هو أيضا وسيصعب على منظومة الدولة الرقابية الحد من فعالية هذه الأشكال السياسية. وتحدد هذه الخلايا برامجها وأهدافها الخصوصية وتعمل عليها منفتحة على التعاون مع الأطروحات القريبة منها والتي تشبهها والتي تركز أساسا على المطلب الاجتماعي والسياسي بعيدا عن كل أيديولوجيا. تركز خلايا الأحياء الأساسية على مواضيعها الخصوصية مثل العمل والتعليم والنظافة والنجدة والحماية ومنع الجريمة وتحسين العلاقات الاجتماعية وتفكيك خطاب السلطة لدى أفراد الحي من أجل رفع وعي المواطنين تدريجيا وإقحامهم في العمل السياسي. ومن أجل تشكيل كتلة اجتماعية محلية واعية ومترابطة.
إن التخلي عن الأشكال التقليدية للتنظيم السياسي (هيئة قيادية وانخراطات واجتماعات وغيرها…) سيشكل إطارا حرا للإبداع التنظيمي وسيمنح الفاعلين قدرات استثنائية تساعدهم على تحقيق فعالية أكبر. فالمطلوب هو حلقات تلتقي ثنائيا وثلاثيا بشكل مؤقت وسريع لتبادل ما هو ضروري ومحدود من أفكار ومشاريع وأخبار في سياق الحياة الاجتماعية العادية ولاتخاذ القرارات المتصلة بنشاط الخلية مع تجنب العمل الاستعراضي والانفعالي. كما يمكن تحويل هذه الخلايا إلى هيئات عاملة على مواضيع محددة في الزمن كالعمل على تنظيف الحي أو تنظيم المناسبات الاجتماعية مع تغيير الأشخاص في كل مرة بما يساهم في بناء وحدة شعبية تكرس التسيير الذاتي للمجتمع المحلي تدريجيا. فالأعمال البسيطة تقوي الثقة والتقارب والتحابب بين الناس وتفتح آفاقا لأعمال أكثر أهمية مثل العمل الجماعي التشاركي وتبادل الأدوار داخل الحي. والأهم من كل ذلك أن هذه الأشكال العملية في التنظيم تعزل السلطة وتضعف تأثيرها. كما تضع الأسس الأولى للمجتمع البديل.