تغير التركيبة العضوية لراس المال وتغير البنية العامة للمجتمع
بعد قرن وربع من التحول الامبريالي لم تعد الظواهر الاجتماعية الناتجة عن هذا التحول مخفية. لقد كان التناقض الأساسي في العصر التنافسي هو التناقض بين الطبقة العاملة وبين رأس المال. كان المجتمع الرأسمالي مكونا من ثلاث طبقات كبرى : هي البورجوازية وما ارتبط بها تدريجيا من بقايا التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية السابقة لها ، وهي البورجوازية الصغيرة متعددة الشرائح والمكونات، وهي الطبقة العاملة.
ومع بداية القرن بدأ رأس المال يتخذ طبيعة جديدة وهي الطبيعة الاحتكارية . فقد قطع مع طبيعته السابقة وهي الطبيعة التنافسية. وتشكلت المنوبولات والتروستات، أي اندماج المؤسسات الصغرى في مؤسسات كبرى التي بدأت توفر أكثر من نصف حاجات المجتمعات الصناعية وغيرها في بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية. ولكن أهم ظاهرة في هذا التحول هي نشأة رأس المال المالي إلى جانب رأس المال الصناعي والذي تحول تدريجيا إلى سلطة اقتصادية وسياسية تمارسها البنوك التي كانت في البداية مجرد واسطة دفع مالي. فظاهرة التركز الصناعي صاحبتها ظاهرة أخرى هي التركز المالي وتغيرت التركيبة العضوية لرأس المال. كما بدأ الاعتماد على الآلة في الإنتاج يتطور وتحولت المؤسسات الصناعية إلى مؤسسات ممكننة تعتمد التكنولوجيا . كانت متطلبات الاحتكار تدفع نحو الاعتماد على التكنولوجيا أكثر فأكثر وتحويل أجزاء من فائض القيمة إلى رأس مال ثابت ، وهي في الحقيقة ليست ظاهرة جديدة. فشدة تركز رأس المال يتجه ضرورة وطبيعيا إلى تجويد الإنتاج للمحافظة على المستهلك. ولكن كلما اتجه رأس المال إلى التكنولوجيا كلما كان مضطرا إلى توسيع الطبقة المتوسطة وتقليص الطبقة العاملة. ولم يكن هذا لينجح لولا الاتجاه نحو تقسيم العالم لخلق مجال لاستغلال قوة عمل إضافية ولخلق سوق جديدة تستوعب المنتج.
النتيجة من ذلك أن تشكلت في المركز الامبريالي طبقتان أساسيتان هما البورجوازية الامبريالية والطبقة المتوسطة، أو البورجوازية الصغيرة. أما في المستعمرات فقد أختلف الأمر نسبيا. لقد جعل تصدير البضاعة والرساميل خاصة نحو الإنتاج الفلاحي والصناعات الاستخراجية بما جعل الاقتصاد، في تونس مثلا، ريعيا بنسبة عالية جدا فتشكلت بروليتاريا فلاحية في ضيعات “المعمرين” وبروليتاريا “منجمية” في المناجم أساسا. إضافة إلى بروليتاريا الخدمات مثل شركات النقل والشحن والترصيف. وقد خلق هذا الوضع اقتصادا ملحقا بالاقتصاد الفرنسي بالكامل موظفا في توفير حاجات الصناعة الامبريالية الفرنسية . وقد حاولت دولة ما بعد 1956 أن تستمر في أداء نفس دور دولة الباي والمقيم العام بتوفير حاجات الاقتصاد الفرنسي والاستثمار في تلك العلاقة لتوفير دخل مضمون لها يمكنها من ممارسة سلطتها خاصة وأنها قد اقترضت من فرنسا قرضا ضخما اشترت به من فرنسا كل ما تركته من مباني وطرقات وسكك حديدية وضعيات فلاحية وغيرها … وقد استمر خلاص هذا القرض إلى أواسط السبعينيات(1976 ). ثم اتجهت السلطة الجديدة في تونس نحو تركيز بعض الصناعات الضرورية مثل معامل تكرير النفط في بنزرت أو معمل السكر في باجة أو معمل الورق بالقصرين أو معامل إنتاج الأمونيتر في قابس أو تدعيم معامل الدخان في تونس والقيروان … ثم انتشرت ما يعرف بالمناطق الصناعية التي أثثها رأس مال أجنبي أساسا. فبرزت إلى الوجود طبقة عاملة جديدة إلى جانب عمال القطاع السياحي الناشئ بدوره ضمن توجهات دولة ما بعد 1956. لقد مثلت بداية السبعينيات تحولا نوعيا في بنية الاقتصاد التونسي بسبب ثلاثة أسباب أساسية :
1 التوجه نحو تركيز قطاع سياحي كأحد ركائز الاقتصاد التونسي.
2 بداية ضرب منظومات الإنتاج الفلاحية المحلية ما انجر عنه موجات من الهجرة نحو المدن الكبرى لتوفير يد عاملة لرأس المال الأجنبي والمحلي .
3 الاعتماد على رأس المال الأجنبي في حل مشكلة البطالة (ما يسمى في دعاية النظام بالمستثمرين) وحل مشكلة الفقر . وقد كانت تجربة التعاضد تجربة مدمرة للاقتصاد العائلي ولمنظومات الإنتاج المحلية التي كانت هي نفسها متأثرة بالاقتصاد الاستعماري منخرطة في توجهاته (إنتاج القمح والزيت واللحوم الحمراء عبر تربية الأغنام والابقار خاصة). لقد وجدت هذه المنظومات صعوبة في الاستمرار بعد أن توسع نشاط البورجوازية التجارية في توتس وتطور . فقد أصبح استيراد القمح سمة بارزة بعد أن كان نشاطا تصديريا نحو فرنسا . والحال نفسه بالنسبة إلى توريد اللحوم بعد أن كانت مجالا تصديريا. أما الزيت فقد ظل نشاطا تصديريا ولكن الأمر يتم عبر وسطاء بعد أن تخلى ديوان الزيت تدريجيا وخاصة في عهد زين العابدين بن علي عن دوره في احتكار تصدير زيت الزيتون وهو ما جعل الزيت مصدرا لإثراء بورجوازية تصدير الزيت على حساب المنتج الأول وهو الفلاح التونسي الذي ظل رغم تحسن أحواله في دائرة الفقر .
النتيجة من كل هذا المسار المعقد والمتطور للاقتصاد التونسي هي :
– تقلص حجم الاستثمار في المجال الفلاحي .
– وجود صناعة أجنبية ويد عاملة محلية ما يمكن وصفه بوجود بروليتاريا محلية من دون بورجوازية محلية.
– وجود بروليتاريا خدمات في المجال السياحي خاصة تميزت بالهشاشة والموسمية.
– تشكل كتلة اجتماعية من العاطلين والموسميين وعمال حضائر البناء ومن خريحي الجامعة مضافا إليهم عدد رهيب من النساء اللواتي يعشن داخل المنازل في عزلة تامة عن كل نشاط اقتصادي أو في إطار القيام بنشاط هامشي.
الخلاصة أن رأس المال قد حول تونس تدريجيا وخاصة بعد 1956 إلى مجال لتصدير الرساميل وإلى سوق لاستيعاب بضاعة المركز الامبريالي. وتعرضت التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية إلى ما يعرف بالتركيد التاريخي فقد توقفت التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية عن التطور بفعل منع البورجوازية التجارية أي إمكان لنشأة صناعة أو تطور فلاحي إلا في المجالات التي لا تعارض نشاطها التجاري الاستيرادي. وقد أدى هذا الوضع إلى تراكم تدريجي للثروة ، أسوة بما حدث في المركز الامبريالي، لدى عدد محدود من العائلات المستحوذة على أهم مجالات النشاط الاقتصادي (التوريد والبنوك) وتراكم الفقر في الجهة المقابلة. ومع كل تطور لطبيعة رأس المال يفترض أن ينعكس ذلك التطور على البنية الاجتماعية العامة. وقد انعكس فعلا. فمنذ بداية السبعينيات كما أشرنا نشأت أحزمة فقر حول المدن الكبرى . وتتميز هذه الأحزمة بأن غالبية سكانها هم ممن لا عمل قار لهم. فالاغلبية خارج المنظومة الاقتصادية الرسمية. والاغلبية تعيش في مسالك الاقتصاد الموازي وفي الأعمال الهشة والمؤقتة . كما تشكلت في الأرياف فئات من العمال الموسميين والعرضيين وغير القارين (les contractuelles) كما تنامى منذ أواسط التسعينيات عدد خريجي الجامعة الذين لم يتمكنوا من الحصول على فرصة عمل.
إننا أمام ظاهرة ليست جديدة ولكنها تضخمت هي ظاهرة بروز كتلة اجتماعية خارج كل نشاط اقتصادي رسمي يوفر دخلا قارا تكاد تعيش على هامش المجتمع يتلقى بعضها المساعدات ممن يتلقون بعض مساعدات الدولة التي تحاول امتصاص حدة التناقض الذي يربط هذه الفئات بالدولة. فالدولة على وعي تام بوجود هذه الفئات وبخطورتها ، ولذلك نجد برامج وزارة الشؤون الاجتماعية عاكسة بوضوح ، عبر خطط خصوصية، وجود هذه الفئات وخاصة خطورتها المتأتية من ضخامتها.
إنها الطبقة الرابعة التي بدأت تتحول إلى أغلبية . إن عدد هذه الفئات لا يقل عن أربعة ملايين شخص. ولو أضفنا لهم أسرهم من النساء والتلاميذ والطلبة لقارب العدد تسعة ملايين شخص.
إن تركز رأس المال واتجاهه نحو النشاط التجاري أساسا قد قلص مجال الاقتصاد المنتج وقلص بالتالي عدد المؤسسات الصناعية كما تقلص الإنتاج الفلاحي حتى بلغ إنتاج الحليب والخضروات والغلال وهو ما أدى إلى تقلص عدد أفراد الطبقة العاملة فتساقط جزء كبير منها ، وإن كان يعمل مثلما هو حال عمال المناولة، نحو الطبقة الرابعة.
لقد تغيرت البنية الاجتماعية للمجتمع. وتحول الهامشي إلى أصل . فقد بات المجتمع موزعا إلى أربعة مكونات هي:
– البورجوازية بأنواعها التجارية والعقارية والبيروقراطية الإدارية.
– البورجوازية الصغيرة بشرائحها المتنوعة.
– الطبقة العاملة الرسمية.
– الطبقة الرابعة المؤلفة من الموسميين والعرضيين والعمالة الهشة ومن النساء ومن خريجي الجامعات ، وهي أغلبية ساحقة في المجتمع اليوم.
لقد تشكلت هذه الطبقة للأسباب التالية:
– التحول الامبريالي الذي حصل منذ بداية القرن.
– التركيد التاريخي للمجتمع ومنعه استعماريا من التطور عبر ربطه بالاقتصاد الامبريالي في المركز.
– تواصل الهيمنة الامبريالية عبر توظيف الاقتصاد المحلي لفائدة الاقتصاد الامبريالي بجعله اقتصادا ريعيا تجاريا بالأساس ما منع خلق طبقة عاملة ضخمة فتحول الفائض منها إلى طبقة رابعة.
– ضرب منظومات الإنتاج الفلاحية المحلية لصالح استراتيجيات الاستيراد ما حول البروليتاريا الفلاحية وعموم المزارعين إلى طبقة رابعة لا تملك شيئا.
الخلاصة أن الطبقة الرابعة المكونة من شرائح متنوعة ومختلفة قد أصبحت واقعا لا يمكن تجاهله.
تحول مركز التغيير
ما معنى مركز التغيير ؟
مركز التغيير أو الثورة، معناه الطرف الاجتماعي الذي سيقود التغيير. فالمجتمع بكل مكوناته في تناقض مع رأس المال ولكن التناقضات تختلف في ما بينها في درجة حدة التناقض. تاريخيا كان التناقض بين البورجوازية الكبرى وبين البورجوازية الصغيرة أقل حدة من التناقض بين البورجوازية الكبرى وبين الطبقة العاملة مثلا. وتتمثل الأسباب أساسا في نصيب كل جهة من الثروة الاجتماعية وفي حجم العمل المبذول من أجل خلق تلك الثروة . فالبورجوازية الصغيرة لا تبذل نفس الجهد الذي تبذله الطبقة العاملة ولكنها تحصل على جزء أكبر من الثروة . ولذلك فإن تناقضها مع البورجوازية الكبرى قابل للتسويات المتلاحقة . وقد تطور وضع الطبقة العاملة سواء في المركز الامبريالي أو في البلدان الطرفية المستعمرة فقد تقلص عددها وارتفعت امتيازاتها المالية ، وإن ظلت لا تفي بحاجاتها، وارتبطت بالنقابات التي جرتها تدريجيا إلى مربع التسويات ، أي تسوية التناقضات وتلطيفها. كل ذلك جعل الطبقة العاملة توطد علاقتها بالبورجوازية الكبرى حتى صارت مدافعا عن مؤسسات الإنتاج أمام ثورة الهامش. وهذا يعني أن تناقضها مع البورجوازية الكبرى لم يعد على نفس درجة الحدة الذي كان عليه في بداية القرن. لقد أصبحت الطبقة العاملة أقل حماسا للتغيير وذلك بسبب وجود طبقة أشد فقرا منها. فقد أصبحت من أصحاب الامتيازات بالنظر إلى ما تعيشه طبقة الهامش، اي الطبقة الرابعة.
مركز التغيير ، إذن، يتحدد بدرجة حدة التناقض. فقد كان مركز التغيير في بداية القرن لدى الطبقة العاملة ولكن تمييع التناقض الطبقي عبر رشوة الطبقة العاملة سواء في المركز الامبريالي أو في بلدان الأطراف المستعمرة قد حول مركز التغيير نحو الطبقة الرابعة لأن التناقض بينها وبين البورجوازية الكبرى قد بلغ درجة عالية من الحدة وعدم قدرة الطبقتين على إيجاد صيغة لتسوية التناقض بينهما.
إن رشوة الطبقة العاملة في البلدان الطرفية المستعمرة في إطار العلاقة الامبريالية لا تتخذ نفس الأشكال في المركز الامبريالي وفي البلدان الطرفية المستعمرة . فإذا كانت “متبرجزة” في المركز الامبريالي حتى صارت جزءا من الطبقة المتوسطة واقعيا . فالفوارق المادية بين الموظف والعامل في المركز الامبريالي باتت ضئيلة. غير أن هذه البرجزة هي مسألة نسبية ووظيفية وليست مسألة واقعية. فالطبقة العاملة في المركز الامبريالي لا تتقاسم الثروة مع البورجوازية الامبريالية ولكنها في المقابل تحصل على أجر مرتفع جدا مقارنة بنظيراتها سواء في بداية القرن أو بنظيراتها في البلدان الطرفية المستعمرة. فرفع الأجور في المركز الامبريالي هو الشكل الأساسي لرشوة الطبقة العاملة. أما رشوة الطبقة العاملة في البلدان الطرفية المستعمرة فتتم عبر رشوة قياداتها النقابية بالأساس . فالقيادات النقابية تتمتع بامتيازات فلكية مقارنة بوضع العمال . ولذلك يصبح الطموح في بلوغ المناصب النقابية في مختلف المستويات هاجسا يفسد وعي العمال رغم أن نسبة النقابيين ضعيفة . كما تتم رشوة الطبقة العاملة بإيهامها المتواصل بأنها تعيش توازنا لا يمكنها أن تتخلى عنه وهو التوازن الذي توفره المؤسسة. فالعمل، بغض النظر عن الأجر، قد تحول هو نفسه إلى رشوة وامتياز بالنظر لاحتكار العمل ومنع الاقتصاد من التطور ومن التحول إلى اقتصاد منتج وبالنظر إلى ارتفاع نسبة الاعتماد على المكننة والتكنولوجيا في العمليات الإنتاجية. إن عدم توفر عروض العمل بالعدد المناسب أمام طالبي الشغل قد حول الحصول على عمل إلى فرصة ذهبية يتوجب على العامل أو غيره، المحافظة عليها. ومن أشكال المحافظة على العمل عدم المطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية خارج الأطر النقابية فضلا عن عدم التفكير في التغيير أصلا. لقد فقدت الطبقة العاملة في اوضاعها الحالية نسبة عالية من ثوريتها وتحولت إلى طبقة متأرجحة بين طبقتين. فالطبقة العاملة تتأرجح في موقفها السياسي ويمكنها أن تكون حليفا للبورجوازية أحيانا سواء بذاتها أو عبر قياداتها النقابية كما يمكنها في لحظات المد الثوري أن تتحول إلى حليف للطبقة الرابعة لأن مصلحتها التاريخية في التغيير.
الخلاصة أن مركز التغيير، أو الثورة، قد انتقل من الطبقة العاملة بما هي الطبقة الثالثة في البنية الاجتماعية إلى الطبقة الرابعة ، أي طبقة الهامش التي تضم العاطلين والموسميين وخريجي الجامعات العاطلين أساسا، وهي طبقة باتت تمثل أغلبية المجتمع.
مثلها في ذلك مثل أغلب شرائح البورجوازية الصغيرة التي لن تسند التغيير إلا حين يصبح واقعا.
طبيعة التناقض بين رأس المال والطبقة الرابعة.
يمكن تقسيم التناقض بين رأس المال وبين الطبقة الرابعة إلى نوعين من التناقض. أحدهما يفضي إلى الآخر. والحديث هنا عن الطبقة وليس عن الأفراد. فالطبقة ثابتة والأفراد يتغيرون. يلعبون الأدوار ثم ينسحبون.
1 التناقض الأصلي
لقد كانت الطبقة الرابعة في تناقض أصلي جمع بينها وبين رأس المال. فأغلب مكونات الطبقة الرابعة كانت إما من مكونات الطبقة العاملة أو من مكونات البورجوازية الصغيرة. وفي سياق الصراع ، وخاصة في سياق تركز رأس المال ، تدحرجت عناصر كثيرة سواء من الطبقة العاملة أو من البورجوازية الصغيرة نحو الطبقة الرابعة. فالطبقة الرابعة نتاج لتناقض أصلي بين المكونين المتضادين. هو تناقض ناجز ومنتهي . لقد توقف الصراع ببن رأس المال وبين الطبقة الرابعة بمعناه وبصورته القديمة عن الاستمرار. كان التوقف قد حصل بسبب الانفصال الظاهري والقانوني بين المكونين . فلم تعد تجمع بين المكونين علاقة مباشرة. فحين يتخلى رأس المال عن عمال فهو ينهي العلاقة بينهما ولكنه ينهي الصراع بينهما أيضا. إن الامر أشبه ما يكون بالعلاقة بين القاتل والمقتول . فالعلاقة بينهما انتهت بزوال الطرف المقتول ولكن مسؤولية القاتل تجاه المقتول مازالت قائمة. كما تتوقف العلاقة بينهما عندما يحجم رأس المال عن انتداب عمال جدد فهو يوقف العلاقة قبل أن تنشأ وتولد . إنه يحول العمال المعزولين إلى” لا عمال” ويمنع المرشحين للانتداب من التحول إلى عمال. إنه بذلك يخرجهم من العملية الإنتاجية بالمعنى العام. فهم معه إما في علاقة منتهية أو هم في علاقة مجهضة.
2 التناقض القائم
التناقض القائم هو التناقض الذي يجمع بين رأس المال وبين كل من يقع ضده. أي كل من يمتص منه فائض قيمة أو كل من يحتلب منه ريعا أو كل من يمنع عنه مشاركته الثروة. ولا شك في أن الطبقة الرابعة تقع ضمن النوع الثالث وهو من يمنع عنهم رأس المال ويحرمهم من الحق في الثروة. إن رأس المال لا يمنع الحق في الثروة بشكل مباشر ، بل يمنع الحق في الغذاء ، والحق في الصحة ، والحق في المعرفة ، والحق في العمل …إلخ. فالعلاقة هي علاقة منع من جهة وسعي لتحقيق الغاية من جهة أخرى. لقد سلب رأس المال من هذه الطبقة كل شيء إذ استولى أمامها على كل شيء . إن فقر البعض ليس سوى غنى آخرين ذلك هو فحوى قول ماركس: عندما يتركز الفقر في ناحية يتركز الثراء في ناحية اخرى فهذه الطبقة لا تملك وسائل إنتاج كما أنها لا تملك عقارات، أراضي أو مباني، وهي لا تملك أيضا أجورا ثابتة ودائمة. لقد دفع رأس المال هذه الطبقة إلى الفقر المدقع. ونتيجة للثراء الكبير الذي تتمتع به الأوليقارشيات المالية العالمية والمحلية ، وفي مقابل الفقر الشديد الذي تعيش فيه شرائح الطبقة الرابعة فإن التناقض القائم بينهما هو تناقض قاتل. فلا حياة للواحد منهما إلا في موت وزوال الآخر. ولذلك كثيرا ما نسمع عن رغبات مكتومة لدى الأوليقارشيات المالية في أن تتخلص من عدد من سكان الأرض. وهي تمارس ذلك لا فقط عبر التجويع وعبر التجارب الجرثومية بل خاصة عبر الحروب الذي بات موت مئات الآلاف فيها أمرا عاديا. ويتبنى الامبرياليون النظرية المالتوسية في قتل المرضى وكبار السن . ويتجلى ذلك في تقارير لجانهم ومكاتب دراساتهم الاستراتيجية. فقد كشف سنة 1990 عن تقرير للمخابرات الأمريكية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لسنة 1974 عن تقرير يعبر عن القاعدة الأساسية لرسم سياسة الولايات المتحدة في التقليل من سكان العالم لتأمين وصول المواد الخام من البلدان المتخلفة إليها واستمرار سيطرتها على العالم. وقد استهدف التقرير بلدانا بعينها ذكرها التقرير وهي الهند، بنغلاديش، باكستان، نيجيريا، المكسيك، إندونيسيا، البرازيل، الفلبين، تايلاند، مصر، تركيا، إثيوبيا، وكولومبيا. ودعا التقرير إلى اعتماد عمليات التعقيم الجماعي اللاإرادي. واستعمل التقرير مصطلح :”آكلون عديمو الفائدة” لنعت فئات تستهدفها إجراءات التخلص منها، وهو المصطلح الذي استعمل في ألمانيا النازية فقد :” تم استخدامه لأول مرة في عام من 1939 ضمن برنامج يستخدم للقتل الجماعي عن طريق القتل الرحيم غير الطوعي اسمهAktion T4، هذا البرنامج الذي وُضع فيه عدة أسباب لعمليات قتل الأبرياء، بما في ذلك تحسين النسل والنظافة العرقية وتوفير المال. ونتيجة لذلك تم قتل من 275000 إلى 300000 شخص في ألمانيا والنمسا، وبولندا ومحمية بوهيميا ومورافيا (الآن جمهورية التشيك)، وذلك خلال الفترة من 1939 حتى نهاية الحرب عام 1945″. وربما بلغ الهوس بهؤلاء حد التخطيط للتخلص من خمسة مليارات بشر على كوكب الارض. أنظر (“خطة كيسنجر لتقليل عدد السكان”بقلم أ.د. غادة عامر. مركز الروابط والدراسات الاستراتيجية )
إننا إزاء تناقض حياة أو موت . فهذه الطبقة من “عديمي الفائدة ” حسب تصورات الأوليقارشيات المالية العالمية لا تحتاج سوى إلى القتل والموت. ولا أرى لهذه الطبقات من حل سوى معاملة العدو بالمثل. ولا شك في أن موازين القوى تبدو مختلة لصالح هذه الأقليات المالية العالمية التي تمتلك ترسانة من الأسلحة وقدرات كبيرة على التأثير في حياة الناس غير أن الميزان الحقيقي ينبئ بالاختلال لفائدة الشعوب التي تستطيع إنهاء هذا الرعب النازي الجديد بالوحدة والعزم على التخلص من النظام الرأسمالي الذي لا يملك نصيرا واقعيا غير الصهيونية والرجعية المريضة بأوهامها الذاتية.
ثمة ميزة أخرى جعلت رأس المال ، أو منظومة رأس المال، تنتج طبقة معطلة ، هي طبقة الهامش التي لا تملك شيئا حتى قوة عملها التي اعتادت أن تبيعها. هذه الميزة هي “هيمنة رأس المال على العمل وتحرره منه”. وهذه الفكرة ليست جديدة فقد تعرض لها الكثير من الدارسين منهم في تونس عزيز كريشان في كتابه : “un monde se meurt un autre se lève ” عندما تحدث عن هجرة الصناعة الغربية نحو الصين ، كما تعرض لها في فرنسا Alain badiou في كتابه Notre mal vient de plus loin حين تحدث عن
La destruction massive de l’industrie française depuis les années quatre-vingt .. voir p 55.
فظاهرة التصنيع الصيني المكثف ليس خيارا صينيا بل هو استفادة صينية من تطور نشاط رأس المال العالمي وتحوله إلى رأس مال مالي وهو ما أشار إليه لينين في الفصل قبل الأخير في “الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” عندنا تحدث عن طبقة المقرضين les rentiers الذين حولوا دولهم(لينين تحدث عن بريطانيا أساسا ) إلى دول مقرضة état rentier. فقد تحول رأس المال عن العمل وتحرر منه ولكنه ظل مهيمنا عليه وهي كما تلاحظون مفارقة غريبة. بمعنى كيف يتحرر من العمل ويواصل الهيمنة عليه؟ التحرر من العمل يعني أنه لا يخلق العمل ولا يتحمل مسؤوليته إذ لم تعد تربطه بالعمل رابطا مباشرا، ولكنه يهيمن عليه فمن أي عمل على الكرة الأرضية يستخلص رأس المال فائض القيمة. ولذلك هو يفرض أجنداته واختياراته واستراتيجياته العامة على سوق العمل . ومن هنا جاءت ندرة العمل. وندرة العمل تعني ندرة العاملين ، أي العمال، أي الطبقة العاملة بالمعنى الكلاسيكي. وأمام هذه الندرة للعمال فإن الجميع سيتحول إلى طبقة معطلين أو هامشيين أو موسميين، هؤلاء الذين لا عمل ولا ملك ولا دخل لهم. فتغير طبيعة رأس المال وتغير طبيعة نشاطه من التصنيع إلى المضاربة المالية أي من المنافسة إلى الاحتكار قد جعل نقيضه الجدلي وهي قوة العمل(أي العمال) تتغير هي الأخرى. فرأس مال بلا عمل يعني بروليتاريا بلا أجر ، وهي الطبقة الرابعة.
لقد تحول التصنيع الغربي في جانب كبير منه نحو الخارج، ونحو الصين بنسبة كبيرة، فتحولت المجتمعات الغربية إلى مجتمعات بنوك، مجتمعات إقراض ومضاربات مالية بالأساس. وتحول رأس المال الصناعي فيها إلى رأس مال مهاجر. فقد يعود رأس المال الصناعي المهاجر على دوله الأصلية بعائدات ضخمة ولكنه سيفقدها تدريجيا حاجة العالم إليها، لأن العالم لا يحتاج إلى الأموال ، بل يحتاج إلى الإنتاج. وهذا ربما ما يفسر انضمام دول في تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية إلى مجموعة البريكس. وهو ما يفسر تحول الدولار إلى محور صراع أساسي بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا.